علي بن يوسف القفطي

17

إنباه الرواة على أنباه النحاة

دارس ، ومعاهدها مفتوحة لكل وافد ، والملوك الأيوبيون من وراء ذلك يشيدون المدارس ، ويعقدون المناظرات ، ويشجعون الدارسين ، ويرفدون العلماء بالهبات والأعطيات . فتهيأ له من كل ذلك دراسة كاملة ، ومعرفة شاملة ؛ درس القرآن ، وتلقى الحديث ، وحذق النحو ، وحفظ اللغة ، ووعى التاريخ ، وأحاط بقسط وافر من الفلسفة والحكمة وعلم الكلام . ثم كانت المحاضرات التي عقدت بمجلسه في حلب ، والأحاديث التي دارت حول المعقول والمنقول في مسائل العلوم ، والتحدّث بالغرائب والطرائف . وكتبه التي عكف عليها في داره ، فاستجلى غوامضها ، واستلهم أسرارها ، واستقصى ما فيها استقصاء الدارس الحصيف ، ونقدها نقد الصيرفيّ الخبير . من هذه المنابع الصافية تكوّنت ثقافته ، وتلاقت معارفه ، وانسجمت أفكاره وخواطره ، وتألفت منها تلك الكنوز التي نثر منها في مجالسه الخاصة ، وأودعها كتبه المتنوّعة . أدبه : وكان القفطيّ صاحب نثر وشعر ؛ أما النثر فقد تخرّج فيه على أبيه ، وتمرّس به في ديوان الإنشاء ، وأثر عنه كثير من الرسائل ، وجرى قلمه بشئ منه في كتاب الإنباه . وقد اعتنق طريقة القاضي الفاضل ، وسار على نهجه ؛ من تنميق اللفظ والاحتفال بالسجع ، والقصد إلى التورية والجناس ، والاستشهاد بالنظم في أثناء المنثور ؛ سواء في ذلك رسائله الإخوانية أو الديوانية ، أو ما سال به قلمه في بعض التراجم . ومن رسائله التي أوردها ياقوت ( 1 ) : « وأما سؤاله عن سبب التأخر والتجمّع ، والتوقّف عن التطاول في طلب الرياسة والتوسّع ، والتعجب من التزامى قعر البيت ، وارتضائى بعد السبق

--> ( 1 ) معجم الأدباء ( 15 : 180 ) .